الشيخ محمد زاهد الكوثري
61
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
وفي « العتبيّة » عزو وفاته ثم نزوله إلى مالك ، ولعلّ ابن حزم انخدع بذلك . وقد سبق أن شرحنا حال « العتبيّة » في العدد ( 34 ) 1361 ه ، وليس في ذلك القول كبير خطورة غير ضعف مدرك الوفاة ، حيث كان مع الجماعة في الإيمان بالنزول ، كما صرّح بذلك في « الفصل » و « المحلّى » . وقال الآلوسيّ : والصحيح كما قال القرطبي : أنّ اللّه تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم ، وهو اختيار الطبري ، والرواية الصحيحة عن ابن عباس اه . وقال ابن جرير بعد نقله روايات تفسير التوفّي بالنوم أو القبض أو الموت : « وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال معنى ذلك : أني قابضك من الأرض ، ورافعك إليّ ، لتواتر الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ينزل عيسى ابن مريم » ، ثم ساق أحاديث في النزول ، ثم ردّ ردا مشبعا على من زعم تكرّر الإحياء والإماتة بالنسبة إلى عيسى عليه السلام . وليس في قوله « وأولى الأقوال بالصحة » ما يحتجّ به على أن تلك الأقوال مشتركة في أصل الصحة ، كيف وقد ذكر بينها ما هو معزوّ إلى النصارى ، ولا يتصوّر أن يصحّ ذلك في نظره ، بل كلامه هذا من قبيل ما يقال : « فلان أذكى من حمار ، وأفقه من جدار » ، كما يظهر من عادة ابن جرير في تفسيره عند نقله لروايات مختلفة ، كائنة ما كانت قيمتها العلمية ، وقد يكون بينها ما هو باطل حتما ، فلا يكون لصاحب المقال إمكان التمسك بمثل تلك العبارة في تقوية الروايات المردودة . وأما قوله تعالى : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [ المائدة : 117 ] فبمعنى قبضتني بالرفع إلى السماء ، كما يقال : توفّيت المال إذا قبضته ، وروي هذا عن الحسن وعليه الجمهور ، وروي عن أبي عليّ الجبّائيّ المعتزليّ - وهو من أجرأهم في الشذوذ - أنّ المعنى ( أمتّني ) ، وادّعى أنّ رفعه عليه السلام إلى السماء كان بعد موته ، وإليه ذهب النصارى كما قال الآلوسيّ ، وقال القرطبي : « قيل : هذا يدل على أنّ اللّه عزّ وجل توفّاه قبل أن يرفعه ، وليس بشيء ، لأنّ الأخبار تظاهرت برفعه ، وأنه في السماء حيّ » اه . وقد سبق بيان حقيقة التوفّي بحيث لا يدع أدنى ريبة . وما يقال من أنّ المتبادر من التوفّي هو الموت ، فيمكن أن يسلّم ذلك بالنظر إلى اليوم ، لكن تطوّر اللغة في زمن متأخّر إلى معنى ، لا يستلزم أن يكون هذا المعنى مفهوما من اللفظ في تخاطب الصحابة رضي اللّه عنهم وقت نزول القرآن الحكيم ، ولو كان هذا المعنى مفهوما من لفظ التوفّي إذ ذاك ، لكان حِينَ مَوْتِها [ الزّمر : 42 ] لغوا في قوله تعالى : اللَّهُ